رصد التفاعل المسؤول عن إنتاج منظف الغلاف الجوي

ترجمة: سومر الحموي، الكيمياء العربي


الغلاف الجوي للأرض هو عبارة عن جزيئات تؤدي رقصات (تفاعلات) معقدة. إنّ المنتجات الكيميائية الصادرة عن النباتات، الحيوانات، والمنشئات الصناعية تتصاعد في الهواء وتتفاعل فيما بينها في سلسلة من التفاعلات الكيميائية. هناك تفاعلات تحافظ على التوازن الكيميائي للغلاف الجوي، على سبيل المثال: بعض التفاعلات تساهم في تكسير الملوثات المنبعثة من حرق الوقود الأحفوري.

إنّ الفهم الدقيق لهذه التفاعلات وكيفية حدوثها أمر هام للتنبؤ باستجابة الغلاف الجوي للتغيرات البيئية، إلا أنّ بعض خطوات هذه الرقصات (التفاعلات) تتم بسرعة كبيرة بحيث تعذر رصد الجزئيات المشاركة في هذا الجمع.

قام فريق من جامعة بنسلفانيا بمراقبة أحد هذه التفاعلات الجوية السريعة في المختبر. حيث قاموا بتعيين مركب وسطي هام ورصدوا تحوله إلى جذر الهيدروكسيل، كما قاموا بتحديد كمية الحرارة اللازمة لحدوث هذا التفاعل.

تم تقديم الدراسة بقيادة الدكتورة مارشا ليستر Marsha Lester أستاذة الكيمياء في جامعة بنسلفانيا للفنون والعلوم، بالمشاركة مع أعضاء مختبرها: فانغ ليو Fang Liu طالب في السنة الأخيرة، وجوزيف بيمز Joseph Beames باحث ضمن مرحلة الدكتوراه وذلك بالتعاون مع أندرو بيتيت Andrew Petit باحث ضمن مرحلة الدكتوراه في قسم الكيمياء، والدكتورة آن ماك كوي Anne McCoy أستاذة الكيمياء في جامعة أوهايو. وتم نشر هذا العمل في مجلة Science.

تتكون جذور الهيدروكسيل من ذرة هيدروجين مرتبطة بذرة أوكسجين. وهي ذات قدرة تفاعلية عالية، حيث تقوم بخطف ذرة هيدروجين من الجزيئات الأخرى لتكوّن الماء. العديد من الملوثات المعروفة والغازات الدفيئة، كغاز الميثان والمركبات الأكثر تعقيداً، يتم تكسيرها في البداية بواسطة هذه الجذور.

تقول الدكتورة ليستر: “تمت تسمية جذور الهيدروكسيل بمنظف الغلاف الجوي، لأنها تقوم بتكسير معظم الملوثات المتصاعدة في الجو” وتتابع: “وبما أنّ جذور الهيدروكسيل تمتلك قدرة تفاعل كبيرة فإنّ ذلك يثير تساءلاً ’كيف يمكن لجذور الهيدروكسيل أن تتواجد بكثرة في الغلاف الجوي ؟’ إنها تتفاعل طوال الوقت لذا لابد وأنّ شيئا يعوض ما فقد باستمرار.”

تكون الشمس أثناء النهار هي المسؤولة عن معظم جذور الهيدروكسيل في الجو. فضوء الشمس يمتلك طاقة كافية لتحطيم الروابط في جزيئات الأوزون محرراً بذلك ذرات الأوكسجين التي بدورها تتفاعل مع بخار الماء لإنتاج جذور الهيدروكسيل. بالرغم من ذلك يوجد مصدر هام آخر لهذه الجزيئات ولا يتطلب أشعة الشمس. وقد قام فريق الدكتورة ليستر بالتحقيق في هذه العملية المبهمة التي تشكل المصدر الرئيسي لجذور الهيدروكسيل في الليل. وتلعب دورا كبيرا في الغلاف الجوي أثناء موسم الشتاء.

وضع الكيميائي الألماني رودولف كريجي Rudolf Criegee في العام 1949 فرضية تقول أنّ الألكِنات (وهي صنف من المركبات الكيميائية تحوي رابطة مزدوجة بين ذرتي كربون) تتكسر عند تفاعلها مع الأوزون. تمر بمرحلة مركب وسطي شديد التفاعلية وعمره قصير لدرجة لم يكن من الإمكان ملاحظته وتقفي أثره حتى وقت قريب. إنّ هذه المركبات الوسطية تعرف الآن بمركبات كريجي Criegee الوسطية.

يعتبر الآن فريق الدكتورة ليستر أول من استطاع رصد هذه المركبات الوسطية في تفاعلات تؤدي إلى تشكل جذور الهيدروكسيل مستخدمين تقنية تعرف باسم مطيافية الأشعة تحت الحمراء.

تقول الدكتورة ليستر: “نحن نستخدم الليزر لتعيين ’بصمة’ خاصة بهذه الجزيئات الوسطية اعتماداً على الأطوال الموجية التي تمتصها.” وتضيف: “إنّ الليزر يؤمن أيضاً الطاقة اللازمة لحدوث هذا التفاعل الذي من المفترض أن يتم حدوثه في الغلاف الجوي بتأثير الحرارة.”

ويضيف الباحث بيمز بقوله: “لقد قمنا أيضاً برصد جذور الهيدروكسيل وبذلك نكون أول من أثبت فعلياً أنّ جذور الهيدروكسيل تنتج مباشرة من مركبات Criegee الوسطية.”

يقول الطالب ليو: “لقد لاحظنا أنّ ذرة هيدروجين من أحد طرفي الجزيء الوسطي تهاجر لترتبط بذرة أوكسجين في الطرف الآخر عندئذ يتفكك الجزيء الوسطي معطيا جذر الهيدروكسيل.”

يعتقد الفريق العلمي أنّ الفهم الجديد لمقدار الطاقة اللازمة لحدوث تفاعل هجرة الهيدروجين يمكن تطبيقه على الكثير من التفاعلات المنتجة لجذور الهيدروكسيل التي تساهم وسطيات Criegee فيها.

يقول الباحث بيتيت: “إذا كنا نريد تسلق جبل ’يلمح إلى مقدار الطاقة اللازمة لحدوث آلية التفاعل’ يجب علينا أن نسلك مسارات محددة و منطقية.” ويقول أيضاً: “نحن نقوم بدراسة أبسط زمرة من هذه الجزيئات ونعتقد أن آلية هذا التفاعل يمكن أن تطبق على الجزيئات الأكثر تعقيداً.”

يمكن أن تتضح الصورة أكثر حول أسس تشكل جذور الهيدروكسيل على مدار الساعة ومن فصل لآخر عن طريق تطوير نماذج أكثر دقة للغلاف الجوي. إنّ عملية إنتاج جذور الهيدروكسيل وفق هذه الآلية يمكن أن تختلف تبعاً للمناطق الجغرافية، حيث أنّ علامات هذا التفاعل –الألكِنات– فد تم رصدها بشكل أسهل وبمعدلات أعلى فوق المناطق المأهولة بالسكان والمشجرة.

“لا يمكننا قياس كل شيء،” تقول الدكتورة ليستر “لذا نحتاج لنماذج جيدة تمكننا من وضع تكهنات حول إمكانية استجابة الغلاف الجوي للتقلبات المناخية، من تغير في درجات الحرارة، اختلاف مستويات الأوزون، أو درجة تواجد المركبات البتروكيماوية.

تم تقديم الدعم لهذا البحث من قبل المنظمة الحكومية National Science Foundation، برنامج دريفوس لدراسات الدكتوراه في الكيمياء البيئية، الجمعية الكيميائية الأميركية لتمويل أبحاث البترول، ومكتب الأبحاث العلمية في سلاح الجو.

المصدر:

Penn Chemists Observe Key Reaction for Producing ‘Atmosphereâs Detergent’. (n.d.). Penn News. Retrieved November 30, 2014, from http://www.upenn.edu/pennnews/news/penn-chemists-observe-key-reaction-producing-atmosphere-s-detergent

 

شارك هذه المادة!
Exit mobile version