مياه الصرف الصحي مفتاح لرصد الاستخدام السيئ للمواد الأفيونية

الرئيسية » الكيمياء الصناعية والنسيجية » مياه الصرف الصحي مفتاح لرصد الاستخدام السيئ للمواد الأفيونية

تقوم شركة بيوبوت أناليوتكس (Biobot Analytics) بتتبّع استخدام المواد الأفيونية في بلدة كاري Cary الواقعة في ولاية كارولينا الشمالية (الولايات المتحدة الأمريكية)، اعتمادًا على عيّنات من مياه الصرف الصحي.

يُقدّر عدد سكان كاري بـ 130 ألف نسمة، وتمتاز بمستوى خدمي وصحي ممتاز، ناهيك عن مستويات التعليم العالية نسبيًا لسكانها ومعدل الجريمة المنخفض، وليس مستغربًا أن تُصنف كاري في قوائم أفضل المدن الأمريكية للسكن، وقد صنّفتها مجلة Money في المرتبة الأولى لعام 2004.

نجد مما سبق أنّ بلدة كاري هي آخر مكان نتوقّع أن تصل إليه أزمة المواد الأفيونية، ومع ذلك، فقد توفي 11 شخصًا من سكان البلدة عام 2017 بسبب الجرعات الزائدة من هذه المواد، وإجمالاً فإنّ عدد من دخل إلى المستشفى عام 2017 زاد بنسبة 70% عن عام 2016.

يتحدّث عمدة المدينة ونائبه عن القضية، فقد حان الوقت لاتخاذ الإجراء المناسب على الرغم من أن المدينة لا تمرّ بالضرورة في أزمة، ولكن لا يوجد مدينة أفضل من كاري للقيام بخطوة استباقية تتمثّل في مشروع مراقبة وتتبّع استخدام المواد الأفيونية في كل حيّ عبر تحليل مياه الصرف الصحي.

فكرة المشروع:

أطلقت بلدية كاري مشروعاً مشتركاً مع شركة بيوبوت للاستفادة من الأجهزة المحمولة التي تقدّمها الشركة، وتقوم هذه الأجهزة بسحب عيّنات من مياه الصرف الصحي، ليتم مطابقتها لاحقاً في المختبر مع 16 مستقلبًا أفيونيًا مختلفًا (المواد التي ينتجها الجسم بمجرد أن يبتلع الشخص مادة أفيونية ما أو يَحقن نفسه بها، ابتداءً من الأدوية الموصوفة قانونيًا وانتهاءً بالهيروين). تأمل البلدية أن تساعد البيانات في تحديد أماكن تعاطي المواد الأفيونية لتتمكن من نشر التوعية بشكل أفضل.

يقوم الجهاز بسحب العينات من أنابيب الصرف الصحي من خلال فتحات خاصة، ويفحص المياه العادمة الناتجة عن 4 آلاف إلى 15 ألف شخصٍ.

تعطي البيانات الناتجة تصورًا عن إساءة استخدام المواد الأفيونية على مستوى الحي، وذلك بالاقتران مع بيانات التركيب السكاني، أو بيانات نظام الإبلاغ عن المواد الخاضعة للرقابة الخاص بمتابعة مكان وتوقيت صرف الوصفات الطبية، كما قد تساعد هذه البيانات في التعمق في فهم كيفية تعاطي المخدرات.

تتحدّث ماريانا ماتوس Mariana Matus التي قامت بتأسيس شركة بيوبوت مع زميلتها المهندسة نيوشاغيلي Newsha Ghaeli عن مزايا جهاز أخذ العينات الذي تقدّمه الشركة، فهو صغير الحجم، ويمكن وضعه في حقيبة صغيرة يحملها شخص واحد، أما التكلفة المادية فهي قليلة بالمقارنة مع باقي المنافسين، حيث لا تزيد تكلفة الجهاز الواحد عن عشرة آلاف دولار (متضمّنة ثمن اشتراك في بيوبوت، ورسوم تعتمد على مساحة المدينة والكثافة السكانيّة وطبيعة شبكة الصرف الصحي، علمًا أن ماتوس وغيلي رفضتا إعطاء الكثير من التفاصيل).

تساعد التكلفة المنخفضة في نشر نظام الرصد على كامل المدينة، بدلًا من مكان أو مكانين في كل مرة، حيث يمكن أخذ العينات من عشرة مواقع، ومع ذلك يأمل نائب عمدة البلدة في أن يتوسع النظام مائة مرة في يومًا ما.

تؤكد ماتوس أنّ شركتها تقوم بجمع مياه الصرف الصحي ليس فقط من محطة المعالجة، وإنما من الأحياء السكنية داخل البلدة، كما تضيف أن علم الأوبئة للمياه العادمة ليس مجالًا جديدًا، إذ يتم أخذ عينات من الصرف الصحي للحصول على معلومات عن قضايا الصحة العامة منذ أكثر من عشر سنوات، وخاصّة في أوروبا.

بدوره، يقول رولف هالدن Rolf Halden، مدير مركز هندسة الصحة البيئية في معهد بيوديزاين Biodesign في جامعة أريزونا، إن أمريكا تشبه أوروبا على صعيد المخدرات، ويدرس مختبره الخاص المواد الكيميائية (مثل المضادات الحيوية) في مياه الصرف الصحي، ويقوم بالشراكة مع بلدية تمبي في ولاية أريزونا بمراقبة المواد الكيميائية بما في ذلك المواد الأفيونية.

يضيف هالدن بأنّ الطريقة الأسهل لأخذ عينات المياه العادمة تكون عند مصب محطة المعالجة، إذ يكفي طلب ذلك من الموظف المسؤول، ولكن حينها لن يكون الوقت مناسبًا للمركبات التي يرغب علماء الوبائيات في دراستها، إذ تجري المواد الكيميائية لفترات طويلة في أنابيب الصرف الصحي، وقد يستغرق الأمر أحيانًا حوالي 8 ساعات لانتقالها من المرحاض إلى محطة المعالجة، ويمكن أن يحدث الكثير من الأشياء خلال تلك المدة.

تقول ماتوس أنّ مستقلبات بيوبوت تقيس الانحلال بغضون ساعات، وهذه ميزة إضافية لنظام الرصد، فكلما كان مكان أخذ العينات قريب من المصدر ستكون البيانات أفضل.

يتم تدريب الموظفين للحصول على أفضل النتائج، وحتى ذلك الحين لن يتمكن العاملون في مجال الصحة العامة فعليًا من استخدام البيانات لاتخاذ القرارات المناسبة.

نقيب الصيادلة يتحدّث …

يشدّد جيسون ويتس Jason Wittes، نقيب الصيادلة في مقاطعة ويك Weak، على فكرة أنّ الجهاز الجديد ما زال في مرحلة التجريب وإثبات الفكرة، ويتحدث عن الأمور غير القانونية التي سيساعد الجهاز في كشفها بشكل شبه مباشر، فعادًة ما تكون التقارير المتداولة ذات بيانات قديمة (عمرها عام مثلاً).

يتحدّث ويتس أيضاً عن الطرق الجديدة التي يلجأ إليها متعاطو المخدّرات، فقد بدأوا مؤخرًا بالجمع بين المواد الأفيونية والنيورونتين Neurontin وهو دواء يُستخدم لعلاج الصرع وآلام الأعصاب، وله القدرة على تعزيز تأثير المخدرات. ستستفيد السلطات من بيانات الجهاز الجديد في إطلاق برامج توعية في مناطق كانت مُهملة في الماضي، ناهيك عن تحديد الأماكن التي ستعمل السلطات فيها على توزيع دواء ناركان Narcan الذي يعكس مفعول الجرعة الزائدة من المواد الأفيونية.

والأفضل من ذلك، هو أن يصبح لشركة بيوبوت منافسين آخرين، فستكون بيوبوت (وغيرها) قادرة على المساعدة بربط الأقسام الصحيّة التي عندها مرضى يستخدمون أدوية متماثلة، وبالتالي ستتشارك السلطات الصحية في أساليب وطرق المكافحة في الوقت الأنسب، بدلًا من انتظار عقد المؤتمرات، فمثلًا يمكن لمدينتين لهما تركيبة سكانيّة متشابهة التواصل وتبادل الأفكار على الفور.

الأمر ليس سهلاً لهذه الدرجة …

عمومًا، ما زالت شركة بيوبوت شركة ناشئة، وتقول ماتوس بأن شركتها (المتعاونة مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT) قدّمت خبرتها التقنية، وتعتقد بأن التحاليل يتمّ تنفيذها بشكل أفضل بكثير من السابق.

هالدن ليس مقتنعًا تمامًا، فهو يشيد بقدرة الشركة على حشد الدعم للقيام بهذه التحاليل، ولكنّ العملية ليست سهلة، فمن السهل نسبيًا العثور على مياه الصرف الصحي، ولكن أخذ الإذن لتحليلها قد لا يكون كذلك، ومن الصعب حقًا أن تعطي تحاليل المياه العادمة مؤشرات موثوقة للصحة العامة، ويضيف هالدن بضرورة الأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل المؤثرة على جودة البيانات، مثل الكثافة السكانية، ونوع مياه الصرف التي تتدفق عبر الأنابيب (سواءً للغسيل أو الاستحمام أو الفضلات البشرية)، والأهم من ذلك كمية المواد الكيميائية التي قد تكون قد انخفضت قبل قياسها، فقياس المواد الأفيونية في المياه العادمة هو أمر صعب للغاية، ولا يكفي شراء جهاز ما ووضعه على المكتب.

من جانبها تقول ماتوس الحاصلة على درجة الدكتوراه في علم الأحياء الحاسوبي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بأن فريق العمل في الشركة ليس مستجدًا في هذا المجال.

وصمة العار:

يأمل ويتس وآخرون غيره أنّ يُقلع مشروع رصد مخلفات المياه العادمة بقوة على المستوى العام، سعيًا لإزالة وصمة العار.

يقول هالدن أنّه واجه هذه القضية في الماضي، فعندما تنفق مدينة ما المال العام على مراقبة المخدرات، تصبح تلك المعلومات عامة (بحيث يمكن الوصول إليها عبر طلبات السجلات العامة)، وهنا تكمن القضية الأخلاقية الشائكة، فوجود مدينة واحدة فقط تراقب دواء معين سيصبح محط أنظار الجميع، فمثلاً إذا تعقّبت مدينة أمريكية واحدة فقط الوفيات الناجمة عن حركة المرور فلن يقوم أحد بزيارتها، وسيختلف الوضع طبعًا إذا تواجدت بيانات لعدّة مدن.

ما زال هالدن يواجه هذه المشكلة إلى الآن عند جمعه للبيانات من منطقة ما فيها عدّة مدن، فلا يمكنه أن يحصل على معلومات محددة لمدينة واحدة، وهذا مختلف تمامًا عن نهج شركة بيوبوت المتبع، والذي يهدف إلى إصدار بيانات مستهدفة للغاية حول مواقع محددة.

يعتقد ويتس أن المشروع التجريبي لن يؤدي لوصمة عار طالما أن بلدية كاري وقسم الصحة العامة في مقاطعة ويك (التي تتبع لها البلدة) يتبادلان البيانات بعناية، وستساعد البيانات في الحدّ من هذه الوصمة.

في النهاية، فإن تعاطي المواد الأفيونية أمر مخيف ومحظور، ولكنه يحدث في كل مكان، وسيعطي المشروع فرصة للتحدث مع الناس حول كيفية حماية عائلاتهم، وهذا هو الهدف.

المصادر:

Sewage May Hold the Key to Tracking Opioid Abuse. (AUGUST 22, 2018). U.S. Smithsonian Institution. Retrieved November 10, 2018, from https://www.smithsonianmag.com/innovation/sewage-may-hold-key-tracking-opioid-abuse-180970108/

NC town battles opioid epidemic by using robots to test people’s poop. (July 12, 2018). FOX NEWS. Retrieved November 10, 2018, from https://www.foxnews.com/tech/nc-town-battles-opioid-epidemic-by-using-robots-to-test-peoples-poope

This sewer-diving robot is taking aim at the opioid crisis using wastewater analysis. (June 13, 2018). U.S. Circa. Retrieved November 10, 2018, from https://www.circa.com/story/2018/11/06/business/is-280-the-magic-number-twitter-says-users-have-become-more-polite-since-character-limit-increase

شارك هذه المادة!